بهجت عبد الواحد الشيخلي
534
اعراب القرآن الكريم
* * سبب نزول الآية : نزلت هذه الآية الكريمة في أناس من المنافقين كانوا يؤمنون بألسنتهم فقط دون قلوبهم فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا أي أوذوا . * * وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ : ورد هذا القول في الآية الكريمة الثانية عشرة . . أي أمروهم باتباع طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم وأمروا أنفسهم بحمل ذنوبهم يوم القيامة . . فعطف الأمر « ولنحمل » على الأمر « اتبعوا » وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول إن تتبعوا سبيلنا وأن تحمل خطاياكم . . والمعنى : تعليق الحمل بالاتباع أي جواب الطلب - الأمر - بتقدير : إن تتبعوا طريقتنا حملنا عنكم ذنوبكم . * * سبب نزول الآية : قال مجاهد : إن الآية الكريمة نزلت في كفار قريش قالوا لمن آمن منهم : لا نبعث نحن ولا أنتم . . فاتبعونا . . فإن كان عليكم إثم فعلينا . * * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ : ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة الثالثة عشرة . المعنى وليحمل هؤلاء الكفار أثقال أنفسهم : أي ما ارتكبوه من الآثام وأثقالا أخرى غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهي أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم أي وأثقال ما ارتكبه من قلدوهم وفي « أثقالهم » أي أثقال أنفسهم - حذف المضاف إليه « أنفس » وأوصل المضاف « أثقال » إلى المضاف إليه الثاني « هم » ضمير الغائبين فصار : أثقالهم . * * وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الرابعة عشرة . . أي وهم ظالمون أنفسهم بالكفر فحذف مفعول اسم الفاعلين « ظالمون » اختصارا وهو « أنفسهم » و « الطوفان » بضم الطاء : هو ما طاف بكثرة من سيل أو ظلام أو غيرهما . . والمقصود هنا في الآية الكريمة : طغيان مياه البحر على اليابسة في عهد نوح أرسله الله تعالى عليهم فأغرقهم إلا نوحا - عليه السلام - ومن كان معه في السفينة وقد خولف بين اللفظين في قوله تعالى فذكر في الأول « سنة » وفي الثاني « عام » وتجنبا للتكرار أي لم يقل : ألف سنة إلا خمسين سنة . . لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد جدير بالاجتناب في علم البلاغة إلا إذا وقع لقصد التفخيم أو التعظيم . وقال الزمخشري في تفسيره لهذه الآية فإن قلت : هلا قيل : تسعمائة وخمسين سنة ؟ قلت : ما أورده الله أحكم . لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائد مع مجيئه كذلك وكأنه قيل : تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة . « وفيه نكتة أخرى » أي نقطة أخرى أو جملة لطيفة تؤثر في النفس أو مسألة دقيقة فيها دقة نظر وإمعان فكر « وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح - عليه السلام - من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتثبيتا له . . فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره . فإن قلت : فلم جاء المميز أولا بالسنة وثانيا بالعام ؟ قلت : لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض يريده المتكلم من تفخيم أو تهويل أو نحو ذلك . وقيل إن الاستثناء استدراك ورجوع على الجملة بالتنقيص تحريرا لعدد فلا يحتمل المبالغة لأنها لا يجوز معها العدد ولو فخم المستثنى لعاد ذلك ببعض تفخيم المستثنى منه وتكبيره عند السامع .